غصة اللحاق

                  

تَمُرّ الأيامُ وتَتَطاوَلُ السَّنوات ، نكبُرُ وتستمر الحَياةُ بمدِّها وجَزرِهانَنسى أحيانًا أنَّ العُمرَ يمضي ، أو هكذا نُوهِمُ أَنفُسَنا ، حتَّى تَأتي كَلِمَةٌ واحِدَةٌ ( عابِرَةٌ في ظاهِرِها، ثَقيلَةٌ في ميزانِ الشَّوق ) لِتَفْتَأَ جُرْحًا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الزَّمَنَ قد أَبْرَأَه.

رحَلَتْ في سنَةِ أَرْبَعٍ وعِشرينَ والأَرْبَعمائَةِ والأَلْف ، وأَنا أَقِفُ على أَعْتابِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْريكُنْتُ طِفْلًا يَسْتَشْرِفُ الفُتُوَّة ، وكانَتْ هي الكَوْنَ بأَكْمَلِهرَحلَتْ ومَضَيْنا ، نسيرُ في طُرقاتِ الحَياةِ بِمُفْرَدِنا ، نَدْعو لها ، نَذْكُرُها ، ونَحْمِلُ أُثْرَتَها في خَلَجاتِنا ، لكِنَّ الفَقْدَ بَقيَ كامِنًا في زَوايا الرُّوحِ لا يَزول.

حَتَّى قالَها ذَاكَ الصَّديقُ ، وهو يَحْمِلُ المِنْهَاجَ ذاتَه والجُرْحَ نَفْسَه : *"لَيْتَ أُمَّهاتِنا لَحِقَتْ عَلَيْنا، لِتَرَى كَيْفَ صِرْنا ، وكَيْفَ عِشْنا ، وكَيْفَ كَبِرَتْ ذُرِّيَّاتُنا."*

تِلْكَ الكَلِمَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ حَديثٍ عابِر ، بَلْ كانَتْ نَكْءًا لِكُلِّ التَّفاصيلِ المَسْكُوبَةِ في الوِجْدانلَيْتَها رَأَتِ البُيوتَ التي شَيَّدْناها ، والذُّرِّيَّةَ التي بَثَّها اللهُ فيأَحضانِنالَيْتَها شَهِدَتْ كيفَ صَارَ الصِّغارُ أُدَباءَ ورِجالًا ، وكيفَ امتَلأَتِ الحَياةُ بالدِّفْءِ الذي طالَما كانَتْ هي أَصْلَهليتها كانت هنا لتستند على أعوامنا التي كبرت ، وتسمع ثناء الناس على ما زرعَتْه أيديها.. ليتها ترى أثر دعواتها الليلية كيف يفتح لنا الأبواب ويحمي الخطوات.

حتى بنيَّ وبناتي الصغار يسألونني عنكِ بعيونٍ تملؤها البراءة: "نبي نشوف جدة"، فأضمّهنّ إلى صدري وأنا أغصّ بالجواب، أبحث في ملامحهم عن شيءٍ منكِ ، وأشعر بكِ حاضرةً في كل حنانٍ أمنحه لهم.

إنَّه ليسَ اعتراضًا على قَدَرِ الله، بَلْ هُوَ حَنينُ الوَلَدِ البارّ لِأَنْ تَشْهَدَ أُمُّهُ ثَمَرَةَ غَرْسِها، وأنْ تَرَى الفَرَحَ في أَعْيُنِ أحْفادِها الذينَ لَمْ يَكْتَحِلوا بِرُؤْيَتِها.


رحمها الله وجمعنا بها وبذرياتنا في الفردوس الأعلى من الجنة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبوكبير الهذلي وتأبط شراً

جرير والفرزدق والأخطل والاعرابي

ظهور الرقص في فرنسا ومنع السلطان سليمان القانوني له