المشاركات

على سجية السحاب

​ على سجية السحاب ثمّة رجالٌ لم تُخلق جيوبهم لتكون خِزاناتٍ للمال، بل معبراً يُؤدّي إلى قلوب الآخرين. هم أولئك الذين يحملون المادة بظاهر الكفّ لا بباطنها، فتسقط منها العطايا كما تسقط القطرات من سحابةٍ ثقيلة بالخير، لا تسأل أين تقع ولا من يستقبلها. قبل عشرين عاماً، وقفتُ أمام أبي لأقدم له ما طلب من مال لحاجة يريد قضائها كنتُ أرى فيه القدوة والمَثل، وأحسبُ أنني قاربته في جوده ورسمتُ لنفسي حظاً من طَبعه، حتى جائت اللحظة التي كشفت لي عن المعدن الحقيقي للكرَم الذي لا يُجارى. ما إن أخذ المبلغ من يدي وخرج من الباب، حتى اعترضه رجلٌ يمنيّ يمر بظرفٍ طارئ وينوي السفر إلى بلاده. لم يتردد أبي لحظة واحدة؛ يده التي قبضت المال قبل ثوانٍ هي ذاتها التي امتدت بالكامل لتهبه للمحتاج أمام عينيّ، دون أن يبقي لنفسه منها ريالاً واحداً. ورداً للجميل وتحاشياً للإحراج، لم يملك ذلك الرجل سوى خيشة من القهوة كانت بحوزته، وضعها بين يدي أبي ورحل، فردّ عليه أبي بصوته الهادئ: "هي أمانةٌ عندي حتى تعود". وتدور الأيام وتمر السنون، وتتبدل الأحوال والوجوه، لكن الطباع العتيقة تظل كما هي لا تغيرها السنون. يجتمع الشمل...

إذا كنت في حيهم …

​ قالت العرب: «إذا نزلتَ في أرضهم فارضِهم، وإذا نزلتَ في حيّهم فحيّهم، وإذا نزلتَ في دارهم فدارِهم». وهكذا اختصرت العرب أدب النزول بالناس؛ فلستَ ترضي الأرض إلا أن ترعى محابَّ أهلها، ولا تحيي الحيَّ إلا بالبشاشة والسلام، ولا تداري الدار إلا برفيع اللين ولطيف التودد دون إثقال.. تلك لعمري حكمة العشير، وسرُّ المقيم في قلوب القوم وإن كان عابراً.

نعم الأخت عائشة

​ عائشة.. اسمٌ على مسمّى، وحياةٌ أُهديت لنا هناك أرواحٌ يرسلها الله إلى الأرض لتكون رحمةً متجسدة، تضيء لمن حولها وتحترق هي في الصمت، تعطي بلا مقابل، وتحب بلا حدود، وتؤثر غيرها على نفسها حتى ينقضي العمر. كانت أختنا **"عائشة"** رحمة الله عليها من تلك الأرواح النادرة التي لا تتكرر. عاشَتْ أختي عائشة كاسمها تماماً، لكنها لم تعِش لنفسها يوماً؛ بل عاشت من أجلنا، ووهبت أنفاسها وسنيّ عمرها لتربيتنا وحمايتنا.  يوم أن رحلت الأم.. فكانت هي الأمان حين فجعنا بوفاة والدتنا، وتوشّحت أيامنا بالسواد، كانت عائشة هي الشمعة التي أضاءت عتمة الدار. احتضنتنا كأمٍ رؤوف، ورعت خمسة من البنين وخمس من البنات، حملت أمانةً أثقل من جبال الدنيا على كتفيها وهي في مقتبل شبابها. تنازلت عن أحلامها، ورَفَضَت فكرة الزواج لئلا تشغلها حياتها الخاصة عنّا، وسَخَّرَت كل لحظة في يومها لتربيتنا، وتأديبنا، والعناية بنا. كانت للأولاد السند والموجّه، وللبنات الحصن والراعية، لم تدع أحداً منا يشعر باليتم أو النقص، وكانت عينُها لا تنام حتى تطمئن أن الجميع بخير وسعادة. لم تكن عائشة راعيةً فقط، بل كانت عماد البيت ووجهه المشرق. ...

غصة اللحاق

​                    تَمُرّ  الأيامُ   وتَتَطاوَلُ   السَّنوات   ،   نكبُرُ   وتستمر  الحَياةُ   بمدِّها   وجَزرِها .  نَنسى   أحيانًا   أنَّ   العُمرَ   يمضي   ،   أو   هكذا   نُوهِمُ   أَنفُسَنا   ،   حتَّى   تَأتي   كَلِمَةٌ   واحِدَةٌ   (   عابِرَةٌ   في  ظاهِرِها،   ثَقيلَةٌ   في   ميزانِ   الشَّوق   )   لِتَفْتَأَ   جُرْحًا   كُنَّا   نَظُنُّ   أَنَّ   الزَّمَنَ   قد   أَبْرَأَه . رحَلَتْ   في   سنَةِ   أَرْبَعٍ   وعِشرينَ   والأَرْبَعمائَةِ   والأَلْف   ،   وأَنا   أَقِفُ   على   أَعْتابِ   السَّابِعَةَ   عَشْرَةَ   مِنْ   عُمْري .  كُنْتُ   طِفْلًا   يَسْتَشْرِفُ   الفُتُوَّة   ،   وكانَتْ   هي   الكَوْنَ   بأَ...

لا خير فينا إن ذل راعينا

اعتقل ملك من ملوك العرب رجلاً من قبيلة أخرى!فجاءت قبيلته بشيوخها وأمرائها تشفع فيه، فقال الملك: مَن هذا الرجل الذي جئتم كلكم لتشفعوا فيه؟ فقالوا بصوت واحد: هو ملكنا! فقال: لم يخبرنا عن نفسه، فقالوا: أنف أن يذلّ نفسه، فأراد أن يريك عزته بقومه، فأطلقه لهم، وبعد أيام جاءه الخبر أن ذلك الرجل ما هو إلا راعي الإبل عندهم، فأرسل إليهم الملك يستفسر مما صنعوه! فجاءه الرد منهم: (لا خير فينا إن ذَلَّ راعينا). تأملتُ قصة الوفاء هذه حين جاءت قبيلةٌ تشفع في راعي إبلها أمام الملك مدّعيةً أنه ملكها كي لا يُذل، معلنين: "لا خير فينا إن ذَلَّ راعينا"؛ فأدركتُ أن العزة الحقيقية ليست في ألقاب الرتب، بل في قومٍ يرفعون قدر أدناهم كما يعظمون أقصاهم.

ومايمنعك من ذلك

قرأتُ   في   العقد   الفريد   قول   رجلٍ   لخالد   بن   صفوان   :   "إني   أحبك"،   فأجابه   :   "وما   يمنعك   ،   ولستُ   لك   بجارٍ   ولا   أخٍ   ولا   ابن   عم  . وكأنه   يقول   :   بأن   المحبة   الصافية   لا   تزدهر   إلا   حيث   تتخفف   الأرواح   من   أثقال   القرب   ومنافسة   القريب .

لا شيء يمحى

​يقول شيخ الاسلام ابن تيمية : جميع الحسنات لا تمحى إلا بردة ، وجميع السيئات لا تمحى إلا بتوبة  هي معادلة تجمع بين الأمل واليقظة ؛ أملٌ يطمئنك بأن كل كلمة طيبة ، وكل يدٍ قُدّمت في الخفاء، وكل خطوة مشيتها في طريق الخير هي مخرونة لك لا تضيع . ويقظة تُنبّهك أن السيئات لا تسقط بالتقادم ، بل تحتاج إلى وقفة صدقٍ ورجوع ، لتبدأ الصفحة من جديد بيضاء نقية.