على سجية السحاب
على سجية السحاب ثمّة رجالٌ لم تُخلق جيوبهم لتكون خِزاناتٍ للمال، بل معبراً يُؤدّي إلى قلوب الآخرين. هم أولئك الذين يحملون المادة بظاهر الكفّ لا بباطنها، فتسقط منها العطايا كما تسقط القطرات من سحابةٍ ثقيلة بالخير، لا تسأل أين تقع ولا من يستقبلها. قبل عشرين عاماً، وقفتُ أمام أبي لأقدم له ما طلب من مال لحاجة يريد قضائها كنتُ أرى فيه القدوة والمَثل، وأحسبُ أنني قاربته في جوده ورسمتُ لنفسي حظاً من طَبعه، حتى جائت اللحظة التي كشفت لي عن المعدن الحقيقي للكرَم الذي لا يُجارى. ما إن أخذ المبلغ من يدي وخرج من الباب، حتى اعترضه رجلٌ يمنيّ يمر بظرفٍ طارئ وينوي السفر إلى بلاده. لم يتردد أبي لحظة واحدة؛ يده التي قبضت المال قبل ثوانٍ هي ذاتها التي امتدت بالكامل لتهبه للمحتاج أمام عينيّ، دون أن يبقي لنفسه منها ريالاً واحداً. ورداً للجميل وتحاشياً للإحراج، لم يملك ذلك الرجل سوى خيشة من القهوة كانت بحوزته، وضعها بين يدي أبي ورحل، فردّ عليه أبي بصوته الهادئ: "هي أمانةٌ عندي حتى تعود". وتدور الأيام وتمر السنون، وتتبدل الأحوال والوجوه، لكن الطباع العتيقة تظل كما هي لا تغيرها السنون. يجتمع الشمل...