رحلة على ظهر الونيت
كانت السماء تتسق بوجومٍ يسابق ساعات الفجر الأولى، حين تهيأت العائلة لرحلةٍ لم نكن ندرك -نحن الصغار- أبعاد مسافتها التي تتجاوز ألفاً ومائتي كيلومتر. كنتُ حينها في نحو العاشرة من عمري، بجانبي أخي الذي يقلني بعام، وأخونا الأكبر الذي يكبرني بسنةٍ واحدة. لم نكن داخل مقصورة السيارة، بل كانت منطقتنا الخاصة هي "صندوق الدتسن" في الخلف. أما الداخل، فكان مضماراً للوالدة -رحمها الله- وهي تحتضن طفلين بين يديها، وتجاورها أخواتي في المقعد الخلفي، فيما يمسك الوالد بزمام الطريق وعجلة القيادة. انطلقت السيارة تقطع الفيافي من الخرج نحو جازان. كان الهواء يصفع وجوهنا الصغيرة، والغبار يرسم على ملامحنا خطوط السفر. تعاقب علينا الليل والنهار ونحن في ذلك الصندوق ، مشاعر متضاربة كانت تتجاذبنا، خليطٌ عجيب من الفرح والمغامرة الاستثنائية، وجمال السفر تحت سقف سماءٍ تتلألأ فيها النجوم كأنها جبالٌ من ضياء نلتحفها ونستأنس بنورها. لكن الأنس لم يستمر رتيباً؛ فعندما انحدرت بنا السيارة نحو "عقبة ضلع"، انقلب المشهد تماماً. تبدلت السماء المفتوحة فجأة، وغابت النجوم لتنتصب أمامنا جبالٌ سوداء شاهقة ومظلمة، اح...