المشاركات

رحلة على ظهر الونيت

كانت السماء تتسق بوجومٍ يسابق ساعات الفجر الأولى، حين تهيأت العائلة لرحلةٍ لم نكن ندرك -نحن الصغار- أبعاد مسافتها التي تتجاوز ألفاً ومائتي كيلومتر. كنتُ حينها في نحو العاشرة من عمري، بجانبي أخي الذي يقلني بعام، وأخونا الأكبر الذي يكبرني بسنةٍ واحدة. لم نكن داخل مقصورة السيارة، بل كانت منطقتنا الخاصة هي "صندوق الدتسن" في الخلف. أما الداخل، فكان مضماراً للوالدة -رحمها الله- وهي تحتضن طفلين بين يديها، وتجاورها أخواتي في المقعد الخلفي، فيما يمسك الوالد بزمام الطريق وعجلة القيادة. انطلقت السيارة تقطع الفيافي من الخرج نحو جازان. كان الهواء يصفع وجوهنا الصغيرة، والغبار يرسم على ملامحنا خطوط السفر. تعاقب علينا الليل والنهار ونحن في ذلك الصندوق ، مشاعر متضاربة كانت تتجاذبنا، خليطٌ عجيب من الفرح والمغامرة الاستثنائية، وجمال السفر تحت سقف سماءٍ تتلألأ فيها النجوم كأنها جبالٌ من ضياء نلتحفها ونستأنس بنورها. لكن الأنس لم يستمر رتيباً؛ فعندما انحدرت بنا السيارة نحو "عقبة ضلع"، انقلب المشهد تماماً. تبدلت السماء المفتوحة فجأة، وغابت النجوم لتنتصب أمامنا جبالٌ سوداء شاهقة ومظلمة، اح...

تحت سقف الدقيق والرضا

​ تحت سقف الدقيق والرضا: شاشةٌ صغيرةٌ تُضيء العتمة في زاويةٍ قاصية من هذا العالم الفسيح ، حيث تشتبك روائح العجين الدافئ بصوت الفقر الصامت ، يقف خبازٌ برازيليٌّ كدحت الأيام على ملامحه. رجلٌ يغرق كل صباح في غبار الدقيق ، ليشتري بنقاء عرقه لقيمةً تقيم أود صغاره. صغارٌ أكبرهم طفلةٌ لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها ، وأصغرهم طفلٌ يلثم الحياة بضحكته وهو ابن عامين. في ذلك اليوم ، لم يكن المخبز يفوح بأريج الخبز وحده ، بل كان يتهيأ لاستقبال حدثٍ أثقل من الحزن وأرقّ من الدمع. دخل الأب يحمل بين يديه صندوقاً كرتونياً صغيراً ، شاشة تلفازٍ لا تتعدى اثنتين وثلاثين بوصة ؛ شيءٌ قد نمرّ عليه في حياتنا مرور الكرام ، أو نراه من صغائر المتاع التي لا تُلتفت إليها ، لكنه في بيت ذلك الخباز كان يعادل العالم بما فيه. حين وُضعت الشاشة الصغيرة على الطاولة ، لم تكن مجرد قطعٍ من الأجهزة الإلكترونية ؛ كانت رمزا لليالي الصبر والجهد والحرمان. ما إن أدرك الأطفال معنى هذا القادم الجديد ، حتى انهمرت الدموع بكاءٌ لم يكن من حزن ، بل من فرحٍ عارم أفرغ مخزون الشوق في قلوبهم الغضّة. بكى الأطفال ، وبكى الأب وهو يحضن عرق جبينه ا...

الرزق الذي لا يحصى

كنتُ أظنّ ( كحال كثرةٍ منا ) أن الرزق كلمةٌ تُختصر في الأرقام ، وأن المال هو الإكسير الذي يستجلب معه كل خير ، ويُنسِجُ في دنيانا السكينة والراحة والعافية. كانت قناعةً مستقرةً في الذهن ، لا تنكر فضل النعم الأخرى ، لكنها تجعل السعة المادية هي الأصل الذي يتبعه كل ما سواه. وفي جلسةٍ دافئة بين الأصحاب ، حيث السكون يُغطّي المكان ، اخترق غفلةَ الفكرِ اتصالٌ حسم كل شيء. كان الصوت القادم من مستشفى الأمير سلمان بن محمد يحمل خبراً زلزل الأرض من تحتي : لقد وقع حادث للولد ، وهو بانتظارك . في تلك اللحظات ، وفي الطرقات المؤدية بين جنبات المستشفى ثم إلى مستشفى الملك خالد ، سقطت تلك القناعات القديمة كلها كأنها لم تكن. رأيتُ الابن يعبر غياهب الغيبوبة بكسرٍ ونزيف ، فانسكبت في قلبي حقيقةٌ أعمق من كل فلسفات الحياة. في تلك الساعات الطوال، لو أُوتيتُ خِزانات الأرض وذهبها ، لمستُ يقيناً أن مال الدنيا بأكمله لا يشتري لمحة من عافيته ، ولا يعوض حشرجةَ نفسٍ واحدة في صدره . وهناك ، عند أبواب العناية ، وبين ردهات المستشفى ، تجلّت نعمةٌ أخرى لا تُقدّر بثمن ؛ حين رأيتُ الأهل والإخوان يتداعون كالبنيان المرصوص. كان الح...

على سجية السحاب

ثمّة رجالٌ لم تُخلق جيوبهم لتكون خِزاناتٍ للمال، بل معبراً يُؤدّي إلى قلوب الآخرين. هم أولئك الذين يحملون المادة بظاهر الكفّ لا بباطنها، فتسقط منها العطايا كما تسقط القطرات من سحابةٍ ثقيلة بالخير، لا تسأل أين تقع ولا من يستقبلها. قبل عشرين عاماً، وقفتُ أمام أبي لأقدم له ما طلب من مال لحاجة يريد قضائها كنتُ أرى فيه القدوة والمَثل، وأحسبُ أنني قاربته في جوده ورسمتُ لنفسي حظاً من طَبعه، حتى جائت اللحظة التي كشفت لي عن المعدن الحقيقي للكرَم الذي لا يُجارى. ما إن أخذ المبلغ من يدي وخرج من الباب، حتى اعترضه رجلٌ يمنيّ يمر بظرفٍ طارئ وينوي السفر إلى بلاده. لم يتردد أبي لحظة واحدة؛ يده التي قبضت المال قبل ثوانٍ هي ذاتها التي امتدت بالكامل لتهبه للمحتاج أمام عينيّ، دون أن يبقي لنفسه منها ريالاً واحداً. ورداً للجميل وتحاشياً للإحراج، لم يملك ذلك الرجل سوى خيشة من القهوة كانت بحوزته، وضعها بين يدي أبي ورحل، فردّ عليه أبي بصوته الهادئ: "هي أمانةٌ عندي حتى تعود". وتدور الأيام وتمر السنون، وتتبدل الأحوال والوجوه، لكن الطباع العتيقة تظل كما هي لا تغيرها السنون. يجتمع الشمل في بيتي، وتُقبل أ...

إذا كنت في حيهم …

​ قالت العرب: «إذا نزلتَ في أرضهم فارضِهم، وإذا نزلتَ في حيّهم فحيّهم، وإذا نزلتَ في دارهم فدارِهم». وهكذا اختصرت العرب أدب النزول بالناس؛ فلستَ ترضي الأرض إلا أن ترعى محابَّ أهلها، ولا تحيي الحيَّ إلا بالبشاشة والسلام، ولا تداري الدار إلا برفيع اللين ولطيف التودد دون إثقال.. تلك لعمري حكمة العشير، وسرُّ المقيم في قلوب القوم وإن كان عابراً.

نعم الأخت عائشة

​ عائشة.. اسمٌ على مسمّى، وحياةٌ أُهديت لنا هناك أرواحٌ يرسلها الله إلى الأرض لتكون رحمةً متجسدة، تضيء لمن حولها وتحترق هي في الصمت، تعطي بلا مقابل، وتحب بلا حدود، وتؤثر غيرها على نفسها حتى ينقضي العمر. كانت أختنا **"عائشة"** رحمة الله عليها من تلك الأرواح النادرة التي لا تتكرر. عاشَتْ أختي عائشة كاسمها تماماً، لكنها لم تعِش لنفسها يوماً؛ بل عاشت من أجلنا، ووهبت أنفاسها وسنيّ عمرها لتربيتنا وحمايتنا.  يوم أن رحلت الأم.. فكانت هي الأمان حين فجعنا بوفاة والدتنا، وتوشّحت أيامنا بالسواد، كانت عائشة هي الشمعة التي أضاءت عتمة الدار. احتضنتنا كأمٍ رؤوف، ورعت خمسة من البنين وخمس من البنات، حملت أمانةً أثقل من جبال الدنيا على كتفيها وهي في مقتبل شبابها. تنازلت عن أحلامها، ورَفَضَت فكرة الزواج لئلا تشغلها حياتها الخاصة عنّا، وسَخَّرَت كل لحظة في يومها لتربيتنا، وتأديبنا، والعناية بنا. كانت للأولاد السند والموجّه، وللبنات الحصن والراعية، لم تدع أحداً منا يشعر باليتم أو النقص، وكانت عينُها لا تنام حتى تطمئن أن الجميع بخير وسعادة. لم تكن عائشة راعيةً فقط، بل كانت عماد البيت ووجهه المشرق. ...

غصة اللحاق

​                    تَمُرّ  الأيامُ   وتَتَطاوَلُ   السَّنوات   ،   نكبُرُ   وتستمر  الحَياةُ   بمدِّها   وجَزرِها .  نَنسى   أحيانًا   أنَّ   العُمرَ   يمضي   ،   أو   هكذا   نُوهِمُ   أَنفُسَنا   ،   حتَّى   تَأتي   كَلِمَةٌ   واحِدَةٌ   (   عابِرَةٌ   في  ظاهِرِها،   ثَقيلَةٌ   في   ميزانِ   الشَّوق   )   لِتَفْتَأَ   جُرْحًا   كُنَّا   نَظُنُّ   أَنَّ   الزَّمَنَ   قد   أَبْرَأَه . رحَلَتْ   في   سنَةِ   أَرْبَعٍ   وعِشرينَ   والأَرْبَعمائَةِ   والأَلْف   ،   وأَنا   أَقِفُ   على   أَعْتابِ   السَّابِعَةَ   عَشْرَةَ   مِنْ   عُمْري .  كُنْتُ   طِفْلًا   يَسْتَشْرِفُ   الفُتُوَّة   ،   وكانَتْ   هي   الكَوْنَ   بأَ...