الرزق الذي لا يحصى
كنتُ أظنّ ( كحال كثرةٍ منا ) أن الرزق كلمةٌ تُختصر في الأرقام ، وأن المال هو الإكسير الذي يستجلب معه كل خير ، ويُنسِجُ في دنيانا السكينة والراحة والعافية. كانت قناعةً مستقرةً في الذهن ، لا تنكر فضل النعم الأخرى ، لكنها تجعل السعة المادية هي الأصل الذي يتبعه كل ما سواه.
وفي جلسةٍ دافئة بين الأصحاب ، حيث السكون يُغطّي المكان ، اخترق غفلةَ الفكرِ اتصالٌ حسم كل شيء. كان الصوت القادم من مستشفى الأمير سلمان بن محمد يحمل خبراً زلزل الأرض من تحتي : لقد وقع حادث للولد ، وهو بانتظارك .
في تلك اللحظات ، وفي الطرقات المؤدية بين جنبات المستشفى ثم إلى مستشفى الملك خالد ، سقطت تلك القناعات القديمة كلها كأنها لم تكن. رأيتُ الابن يعبر غياهب الغيبوبة بكسرٍ ونزيف ، فانسكبت في قلبي حقيقةٌ أعمق من كل فلسفات الحياة. في تلك الساعات الطوال، لو أُوتيتُ خِزانات الأرض وذهبها ، لمستُ يقيناً أن مال الدنيا بأكمله لا يشتري لمحة من عافيته ، ولا يعوض حشرجةَ نفسٍ واحدة في صدره .
وهناك ، عند أبواب العناية ، وبين ردهات المستشفى ، تجلّت نعمةٌ أخرى لا تُقدّر بثمن ؛ حين رأيتُ الأهل والإخوان يتداعون كالبنيان المرصوص. كان الحضور الصادق للأحبة يحيط بي وبولدي : وقفةُ أخواني وأخواتي وأبنائهم ، وحضن خواله وخالاته وأبنائهم ودعوات جدته الحانية التي لا تتوقف ، ودعوات جدّه ووصيته لي يومياً بأن لا أدع الثلث الأخير من الليل ، ولا أنسى جوار أصحابي وكل من نعرفهم . كانت وقفتهم تلك كالغيث في أرضٍ جافة ، تُرمّم الخوف في الصدور ، وتثبتُ القلوب التي كادت أن تطير هلعاً. عرفتُ حينها أن محبة الأوفياء وسند الأقربين وقت الشدة هي وجهٌ آخر من وجوه الرزق الكريم.
هناك عرفتُ الرزق الحقيقي. علمتُ أن الرزق ليس ما يمتلئ به الجيب ، بل ما يقرّ به الفؤاد. الرزقُ سلامةُ أجساد من نحب ، وأمانُ الساعات التي نمضيها دون أن يطرق أبوابنا خوفٌ أو فجيعة ، ووجودُ إخوةٍ وأهلٍ يتقاسمون معك الهمّ قبل الفرح. لقد تجلّى في قلبي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
واليوم، والحمد لله الذي أبدل الخوف أماناً، وحفظ لي ولدي ورَدّ إليه عافيته وصحته ، أعيد قراءة النعم بقلبٍ جديد. أدركتُ أننا نغرق في بحارٍ من الألطاف ولا نشعر بها حتى نكاد نفقدها ، وأن أصغر النعم التي نطؤها بقدَم الألفة هي أعظم من كل ثروات العالم.. فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على العافية، وعلى أهلنا وأحبتنا، وعلى النعم التي لا تُعدّ ولا تُحصى.
تعليقات
إرسال تعليق