تحت سقف الدقيق والرضا
تحت سقف الدقيق والرضا: شاشةٌ صغيرةٌ تُضيء العتمة
في زاويةٍ قاصية من هذا العالم الفسيح ، حيث تشتبك روائح العجين الدافئ بصوت الفقر الصامت ، يقف خبازٌ برازيليٌّ كدحت الأيام على ملامحه. رجلٌ يغرق كل صباح في غبار الدقيق ، ليشتري بنقاء عرقه لقيمةً تقيم أود صغاره. صغارٌ أكبرهم طفلةٌ لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها ، وأصغرهم طفلٌ يلثم الحياة بضحكته وهو ابن عامين.
في ذلك اليوم ، لم يكن المخبز يفوح بأريج الخبز وحده ، بل كان يتهيأ لاستقبال حدثٍ أثقل من الحزن وأرقّ من الدمع. دخل الأب يحمل بين يديه صندوقاً كرتونياً صغيراً ، شاشة تلفازٍ لا تتعدى اثنتين وثلاثين بوصة ؛ شيءٌ قد نمرّ عليه في حياتنا مرور الكرام ، أو نراه من صغائر المتاع التي لا تُلتفت إليها ، لكنه في بيت ذلك الخباز كان يعادل العالم بما فيه.
حين وُضعت الشاشة الصغيرة على الطاولة ، لم تكن مجرد قطعٍ من الأجهزة الإلكترونية ؛ كانت رمزا لليالي الصبر والجهد والحرمان. ما إن أدرك الأطفال معنى هذا القادم الجديد ، حتى انهمرت الدموع بكاءٌ لم يكن من حزن ، بل من فرحٍ عارم أفرغ مخزون الشوق في قلوبهم الغضّة. بكى الأطفال ، وبكى الأب وهو يحضن عرق جبينه المتمثل في هذه الهدية ، و وراء الكاميرا كانت الأم تُسجل اللحظة بصوتٍ مخنوق بالدمع ، وكأنها ترسم بدموعها وثيقة الفخر برجلٍ لم يستسلم للفاقة.
يا الله.. كيف تحول هذا الحجم الضئيل لشاشةٍ عادية إلى مجرةٍ من الفرح ؟ وكيف يعيد الخبز والدمع صياغة الأشياء في أعيننا؟
لقد أبكاني هذا المشهد ؛ لأنه أزاح الركام عن حقائق غفلنا عنها. نحن الذين نرفل في النعم ، تتكاثر حولنا الخيرات حتى نصل إلى حدّ التعود ، فلا الفرحُ يحرّكنا ، ولا القليلُ يرضينا ننسى في زحمة الرفاهية أن هناك عوائل وأسرًا تُبكيها هدايا متواضعة ، وترى في حلمٍ بسيط قصيدة أملٍ تُكتب بالدموع.
إنها النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، نعيشها كأنها حقٌّ مكتسب ، بينما هي في أرجاء أخرى من الأرض حلمٌ بعيد المنايا يُشترى بدم القلوب وعرق الشغف. الحمد لله على النعم التي أصلحت دنيانا ولم نحفل بها ، واللهم لا تجعلنا ممن ينسون فضل ما أسبغت عليهم ، واجعل قلوبنا حيةً بجميل الرضا وشديد العرفان.
تعليقات
إرسال تعليق