رحلة على ظهر الونيت
كانت السماء تتسق بوجومٍ يسابق ساعات الفجر الأولى، حين تهيأت العائلة لرحلةٍ لم نكن ندرك -نحن الصغار- أبعاد مسافتها التي تتجاوز ألفاً ومائتي كيلومتر. كنتُ حينها في نحو العاشرة من عمري، بجانبي أخي الذي يقلني بعام، وأخونا الأكبر الذي يكبرني بسنةٍ واحدة.
لم نكن داخل مقصورة السيارة، بل كانت منطقتنا الخاصة هي "صندوق الدتسن" في الخلف. أما الداخل، فكان مضماراً للوالدة -رحمها الله- وهي تحتضن طفلين بين يديها، وتجاورها أخواتي في المقعد الخلفي، فيما يمسك الوالد بزمام الطريق وعجلة القيادة.
انطلقت السيارة تقطع الفيافي من الخرج نحو جازان. كان الهواء يصفع وجوهنا الصغيرة، والغبار يرسم على ملامحنا خطوط السفر. تعاقب علينا الليل والنهار ونحن في ذلك الصندوق ، مشاعر متضاربة كانت تتجاذبنا، خليطٌ عجيب من الفرح والمغامرة الاستثنائية، وجمال السفر تحت سقف سماءٍ تتلألأ فيها النجوم كأنها جبالٌ من ضياء نلتحفها ونستأنس بنورها.
لكن الأنس لم يستمر رتيباً؛ فعندما انحدرت بنا السيارة نحو "عقبة ضلع"، انقلب المشهد تماماً. تبدلت السماء المفتوحة فجأة، وغابت النجوم لتنتصب أمامنا جبالٌ سوداء شاهقة ومظلمة، احتجبت خلفها الأفاق، وابتلعت كل الضوء من حولنا. هناك، وفي قلب تلك العقبة، استبدل الفرح رهبةً حقيقية، وانحبست أنفاسنا الصغيرة ونحن ننظر إلى تلك الكتل الجبلية الصامتة التي بدت كأنها تحيط بنا من كل جانب، فامتزج صمت الليل بخوفٍ مكتوم لم يتبدد إلا بوجودنا معاً.
لم تكن الرحلة مجرد طريق يطوى، بل كانت حناناً يمتد مع كل محطة وقود نصلها. كانت أمي -رحمها الله وغفر لها- أول من يتفقدنا، تنزل من السيارة بملامحها الدافئة لتلقي علينا نظرة الاطمئنان الخاطفة: *"كيفكم؟ طيبين؟"*.. كلمات قليلة كانت كفيلة بترميم تعب المسافة ورهبة الطريق في أرواحنا. أما الوالد، فكان يمارس حيلته الأبوية المحببة، يتجه صوب البقالة ليجلب لنا ما يُسكت ضجرنا ويُبهج جلستنا في الصندوق، لنواصل الطريق بروحٍ جديدة.
انتهت الرحلة منذ عقود، وزالت تلك السيارة، ورحل البعض وتركوا في القلب فراغاً لا يملؤه أحد، لكن تلك اللحظات ظلت خالدة عصية على النسيان. كلما تذكرتها أنا وأخوتي نشعر بأننا لا نزال هناك؛ اطفال ينظرون إلى السماء المزدحمة بالنجوم، ثم يلتفتون بخوفٍ محبب نحو ظلمة "ضلع"، يجمعهما الأنس ودفء العائلة.
تعليقات
إرسال تعليق