بين عثرات الطريق ورفق الوصول
بين عثرات الطريق ورفق الوصول
ليست الحياة خطاً مستقيماً يُفرش بالورود ، بل هي مساراتٌ ملتوية ، وصعودٌ وهبوط ، ومحطاتٌ يستريح فيها المرء ليلملم شتات روحه ثم يواصل المسير . وفي وسط هذه الدروب المتشابكة ، تتبلور قصة كفاحٍ لم تكن محض صدام مع الظروف ، بل كانت رحلة إعادة اكتشافٍ للذات وللحياة .
بدأت حكايتي في السابعة عشرة من عمري ؛ في وقتٍ يكون فيه الفتى في أمَسّ الحاجة إلى الركن الأشد حناناً . غادرتْ الأمُّ ( رحمها الله وغفر لها ) وتركت في القلب فراغاً لا يملؤه أحد ، ولكنّ رحمة الله لا تغادر عباده ، فقد تجسّدت تلك الحفاوة والاحتواء في كنف الأخت الكبيرة "عائشة" التي كانت الظلّ الورق والنبع الذي استقى منه البيت أمانه وثباته في تلك المرحلة المفصلية .
ولأن الشغف بالاستقرار والستر كان يسري في الدماء منذ الصغر ، جاء قرار الزواج مبكراً . لم تكن البداية مفروشة بالأوهام ، بل كانت مواجهة صريحة مع الواقع ؛ بين رزقٍ يسيرٍ من إمامة في المسجد ، وعملٍ مضنٍ في حراسة الأمن ، وطموحٍ يتأجج في صدر رجلٍ مصممٍ على إكمال تعليمه الجامعي . ثماني سنواتٍ من الصبر والمثابرة في التعليم عن بُعد ( الانتساب ) ، أتنقل فيها بين لقمة العيش وصفحات الكتب ، حتى كُلّل هذا الصبر بالفصل الأخير انتظاماً ، والتخرج الذي لم يكن مجرد شهادة ، بل كان إعلان انتصارٍ على الظروف .
لكن الطريق بعد التخرج لم يكن بساطاً أحمر ، بل كان خارطةً ممتدة من التشتت والاغتراب طلباً للاستقرار . من ( طبرجل ) في أقصى الشمال ، إلى ( الجبيل ) في أقصى الشرق ، مروراً بالرياض لخمس سنوات ، وصولاً إلى ( الخرج ) . رحلةٌ استنزفت سنين العمر حتى المنتصف ، فلم يهدأ غبار السفر ولا شتات النقل إلا بعد بلوغ الخامسة والثلاثين .
ولم تكن الرحلة الوظيفية وحدها هي المضمار ؛ بل كان الشغف العصامي يدفع نحو التجربة والبحث عن الذات في سوق العمل الحر . فمن بيع القهوة والشاي والمكسرات على الكورنيش في الدمام إلى تجربة التوزيع ثم تجارة التمور والمعمول عند الاستقرار بالرياض ، وصولاً إلى وضع اللبنات الأولى في عالم الدعاية والإعلان عام 2016 . كانت كل مرحلة من هذه المراحل تُضيف صقلاً للمعدن ، وخبراً بالناس وبالحياة .
مرّت السنون متحمّلاً ضغوطاً نفسيةً ومالية وجسدية لو وُزّعت على جبالٍ لأوشكت أن تهدّها . غير أن أعظم ما تخرُج به من هذه الملاحم ليس المتاع المادي ، بل الاستيعاب الأعمق للحياة .
اليوم حين أنظر إلى الخلف ، لا أرى الألم بمرارة ، بل أراه كمعملٍ صنع مني إنساناً متفهماً ، محباً للناس ، مقدّراً لظروفهم ، ومراعياً لخواطرهم . أصبحت لدي تلك الحاسة الإنسانية الرفيعة التي تجعلني ألتمس العذر لمن أرهقته الظروف لأني ذقت مرارتها .
إنها حكايتي التي لم تكسرني النكبات ، بل جمعت أجزائي لتبني منه شخصاً يعيش الحياة بوعيٍ أكبر ، وقلبٍ أوسع ، ورحمةٍ تتسع للجميع ، ونضج أستطيع أن أعيش به مع الجميع .
تعليقات
إرسال تعليق